اليمن :الصحفيون يواجهون المخاطر بلا حقوق أو تأمين

أشرف الريفي - منصة
2019-01-07 | منذ 2 شهر    قراءة: 42

 

كانت عدسة المصور الصحفي محمد اليمني توثق أوجاع الناس وتنقل لحظات ومحطات من الاحداث والحرب الدائرة بمحافظة تعز، لكن رصاصة قناصة أودت بحياته لتكسر عدسته وتنهي حياته عند ما كان يغطي مواجهات بين الحوثيين والمقاومة في منطقة الضباب نهاية مارس من العام 2016م.

الصورة من موقع "الغد اليمني " للمصور وليد القدسي الذي بترت قدمه بسبب استهدافه اثناء احدى التغطيات بتعز .

كعادته كان محمد يتنقل في مدينة تعز من منطقة لأخرى لتغطية المواجهات الدائرة هناك هو وأربعة من زملائه المصورين والصحفيين، لكنهم كانوا  يومها هدفا لقناص حوثي وجه رصاصته تجاههم ليستشهد محمد ويصاب زملائه.

قدم محمد اليمني روحه فداء لمهنته وحرصه على تقديم المعلومات، لكن حقوقه بعد مقتله صارت مهدورة..  فلا حقوق مادية ولا تأمينية على حياته كغيره من الصحفيين والمصورين اليمنيين الذين يعملون بلا تأمين على حياتهم أو عقود عمل تحفظ حقوقهم.

منذ ثورة الشباب 2011 وعدسة اليماني توثق مراحل هامة من تاريخ اليمن، لكن رحيله أفقد الناس عدسة كانت غالبا في اماكن  الحدث والخطر، وترك أطفال بلا أب ويواجهون مصيراً مجهولاً في ظل غياب ضمانات حقيقية لحقوق الصحفيين.

محمد واحدا من 21 صحفيا استشهدوا منذ 2015حتى اليوم اثناء تغطية الحرب في اليمن سواء برصاص وقذائف الحوثيين أو بقصف طيران التحالف العربي حسب تقارير نقابة الصحفيين.. وغيرهم العشرات من المصابين الذين تعرض بعضهم لإعاقات جسدية.

هكذا هو وضع الصحفيين اليمنيين الذين يعملون بلا عقود عمل أو تأمين على الحياة أو تأمين صحي، في حكاية محزنة عنوانها استغلال أوضاع الصحفيين البائسة وضعف البنية الصحفية والإعلامية في البلد.

مع إغلاق الصحف ووسائل الإعلام بداية الحرب في اليمن من قبل جماعة الحوثي وجد الصحفيون وخاصة في وسائل الإعلام الخاصة والحزبية انفسهم مشردين بلا حقوق أو ضمانات لهم في ظل ظروف مجحفة كهذه.

لقد كشفت الحرب الدائرة في اليمن مأساة الصحفيين، وسلطت الضوء على ظروفهم المهنية والمعيشية القاسية وعلى حجم الاستهتار بالحقوق الأساسية لأبناء هذه المهنة التي طالما شكلت مرآة للمجتمع.

أحمد  صحفي في صحيفة حزبية اضطر للعودة إلى قريته بعد ان اغلقت صحيفته واعلنت عدم قدرتها على دفع مستحقات العاملين فيها ، وهم من يعملون فيها بأجور متدنية وبلا عقود عمل بحجة عدم قدرتها على دفع مرتبات العاملين فيها، شأنها شأن العديد من وسائل الإعلام لتتواصل معاناة الصحفيين.

وفي ظل ظروف معيشية صعبة في المدينة، اضطر أحمد للعمل في أعمال حرة وشاقة بغية توفير الحد الأدنى من مستلزمات أسرته النازحة.

نموذج لمعاناة الصحفي اليمني

بعد خمس سنوات من العمل كمدير تحرير لموقع صوت الشورى أون لاين فصل الصحفي وهيب النصارى في الوقت الذي كان متواجدا خارج اليمن لعدم قدرته العودة بسبب الحرب التي اشتعلت اثناء تواجد وهيب خارج البلاد عالقا في مطار القاهرة بسبب اغلاق المطارات اليمنية حينها.

حسب النصاري فقد تم فصله بتهمة مساندة الحكومة الشرعية وقوى التحالف، وهو لا يستطيع العودة بسبب حملة تحريض عليه وعدد من الصحفيين الموجودين خارج اليمن واتهامهم بالعمالة.

قبل ذلك كانت جماعة الحوثي قد فصلته  و38 صحفيا من وظائفهم  الرسمية في وكالة الانباء اليمنية سبأ تعسفا بنفس التهم السابقة.

النصاري الذي عمل في موقع صوت الشورى اون لاين بلا عقد عمل رسمي يدرك أن الوضع غير ملائم للمطالبة بحقه قضائيا، لكنه يؤكد أنه يحتفظ بحقه القانوني حتى استعادة الدولة وتوفر الظروف المناسبة لذلك.

مأساة مؤلمة للصحفيين فمن لم يمت بالنار أو نجا من الاختطاف والاعتداءات طالته نيران سلب الحقوق والتنكر لجهوده.

إهدار للحقوق:

حالة الإهدار للحقوق هذه التي يعيشها الصحفيون في اليمن تفوق امكانية المنظمات والنقابات المعنية بحرية التعبير في اليمن لأسباب شتى متعلقة بالبنية الإعلامية وغياب العمل المؤسسي في قطاع الإعلام.

وهذا ما يتحدث عنه رئيس مركز التدريب والتأهيل الإعلامي رشاد الشرعبي الذي يرى أن بنية الإعلام الخاص او الاهلي في اليمن هشة للغاية وتفتقر للمؤسسات بكل ما ينتج عنها من التزامات مالية وادارية الى جانب غياب التشريعات التي كانت تلزم مثل هذه الصحف بعقود عمل تبرمها مع الصحفيين الذين يعملون بها الى جانب ضعف الوعي القانوني والحقوقي لدى الضحايا انفسهم وحاجتهم للدخل الضئيل الذي قد يحصلون عليه من هذه الصحف.

يضيف الشرعبي لـ" شبكة الإعلاميين النقابيين العرب" أنه ومع دخول اليمن في مرحلة جديدة عقب الانقلاب على الشرعية في سبتمبر 2014 ومصادرة واغلاق ونهب الصحف والقنوات الفضائية والاذاعات الخاصة وجد الصحفيين انفسهم امام مشكلتين كلاهما أمر من الاخرى فهم ملاحقين، والهدف رقم واحد جراء اداءهم المهني السابق ،ويعانون  ايضا من البطالة وانعدام الدخل ما دفع ببعضهم الى العمل كباعة متجولين او في أعمال اخرى ، وغادر اخرين الى الارياف والبعض لا يجد ما يسد به رمق اطفالهم والقليلين تشردوا في بلدان مختلفة.

وحسب الشرعبي فأن الأمر لم يقتصر على من لم يكن لهم عقود عمل مع الصحف التي يعملون بها ولكن الكارثة شملت الجميع فهناك صحف واذاعات توقفت عن الصدور والبث تماما، وفضائيات تعمل من دول اخرى وعجز الكثير من طواقمها عن اللحاق بها وفقدوا مصادر دخلهم تماما.

الصحفية والحقوقية سعادة علاية ترى أن من أهم الحقوق الإدارية التي تشعر الصحفيين وغيرهم بالاستقرار الوظيفي والاطمئنان المعيشي هو حصوله على عقد عمل يضمن له حقوقه ويحدد واجباته، وأن قوانين الصحافة والخدمة المدنية والعمل بشكل عام تحدد الكثير من الحقوق التي يجب ان يتمتع بها الصحفي ، وينبغي تضمينها في العقود وتطبيقها بشكل عملي ، في مختلف المؤسسات والوسائل الإعلامية.

وحسب علاية فأن المعضلة الكبرى التي تواجه الوسط الصحفي تتمثل بعمل عدد من الصحفيين بدون عقود عمل ، أو بعقود عمل مؤقتة وبشروط قد تكون مجحفة بحق الصحفي ،على عكس الصحافة الرسمية التي كان يتمتع الصحفيين العاملين فيها  قبل الحرب بقدر كبير من الاستقرار الوظيفي، كونهم يشغلون وظائف دائمة وحاصلين على فتاوى توظيف وتعزيزات مالية ، لكن مع غياب العمل المؤسسي الحقوقي ووضع الحرب القائمة فقد حتى الصحفيون في الصحافة الرسمية حقوقهم وامتيازاتهم.

وترى علاية أن هذه الاشكالية لن تحل إلا بعد عودة الدولة والعمل علی تحسين بيئة عمل الصحفيين سواء  في الجانب التشريعي أو المؤسسي لضمان حقوق الصحافة والصحفيين.

قمع يطال الحياة:

ويذهب نقيب الصحفيين اليمنيين الاسبق عبدالباري طاهر إلى أن الصحفيين اليمنيين يواجهون اليوم ما هو افظع من ذلك  معتبرا ان الخوف في اليمن  لا يقف عند قمع الحريات الصحفية وانما يطال الحياة نفسها، حيث يواجه الصحفي الحكم بالموت جوعا  أو سجنا  أو اخفاء قسري .

وفي الوقت الذي يشيد طاهر بدور نقابة الصحفيين في متابعة قضايا الصحفيين  والكشف عن معاناتهم  إلا أنه يرى ان الوضع في اليمن كارثي بكل المقاييس. حيث أن الاوضاع السياسية والقامعة التي وصلت حد الحكم بالإعدام ترشح البلد لتكون في المرتبة الاولى خطرا على الحياة والحريات في ظل فقدان الالاف لوظائفهم ليتحولوا إلى عاطلين عن العمل ،ناهيك عن وجود مختطفين ومخفيين قسراً منذ  اكثر من عامين ،وكأن آخر ما تبقى لسلطة الامر الواقع هو سن لائحة لمصادرة وسائل الاتصال الاجتماعي ( في اشارة إلى لائحتين قمعيتين اصدرتهما جماعة الحوثي مؤخرا خاصة بالصحافة الالكترونية والإعلام المرئي والمسموع والمقروء).

ولايزال هنالك 17 صحفيا مختطفين منذ أكثر من عامين بينهم 15 صحيفا لدى جماعة الحوثي وصحفي لدى حكومة الشرعية وصحفي لدى تنظيم القاعدة حسب تقارير حقوقية.

عضو مجلس نقابة الصحفيين نبيل الأسيدي يقول أن المطالبة بحقوق الصحفيين كانت من اصعب المهام التي واجهت النقابة خلال الفترات الماضية حيث ناضلت النقابة كثيرا من اجل ترسيخ بعض الحقوق وايجاد عقود عمل للصحفيين لكن للآسف لم يكن هناك توجه دولة في السابق، ناهيك عن ان المؤسسات الاعلامية المختلفة بما فيها المؤسسات الحزبية والمستقلة والاهلية دائما ما تحاول الحصول على الصحفي بأقل التكاليف، واستغلاله ماديا  ولا تمنحه أي عقود عمل أو حقوق أو تأمين صحي.

لا تأمين ولا اهتمام:

 ويشير الاسيدي إلى وجود دور لنقابة الصحفيين سابقا في المؤسسات الإعلامية والصحافية الرسمية من خلال التواصل والعمل على ايجاد عقود عمل  وتوفير التأمين الصحي، وحدث حينها تفاعل من بعض الجهات لكنها مع اوضاع الحرب انتهت كل تلك الضمانات البسيطة لوسائل الإعلام التابعة للحكومة.

وحول وسائل الإعلام الدولية والعربية التي لها مراسلين في اليمن يقول الاسيدي انها ليست مهتمة تماما بالحقوق المادية وبعقود العمل أو بسلامتهم المهنية أو بتأمينهم الصحي أو التأمين على الحياة، ونادرا ما توجد قنوات أو جهات إعلامية خارجية تقوم بتوفير التأمين أو عقود العمل لمراسليها.

ويتطرق الاسيدي إلى أن وسائل الإعلام العربية والدولية غالبا ما تتعامل مع الصحفي اليمني بأسلوب القطعة وبالتالي تفقده الكثير من حقوقه المادية الحالية واللاحقة وايضا ضمانات السلامة وغيرها.

وحسب الاسيدي فأن نقابة الصحفيين اليمنيين طالبت مرارا بضرورة توفير الحماية وطرق السلامة المهنية للصحفيين وايجاد الحقوق والتامين الصحي ولكن لا يوجد تفاعل من المؤسسات الإعلامية التي بالداخل أو بالخارج.

ويشير إلى أن النقابة نفذت مع الاتحاد الدولي للصحفيين برنامج تدريب خلال الفترة الماضية حول السلامة المهنية للصحفيين أثناء تغطية الصراعات والحروب لكسب الصحفيين والمصورين مهارات واجراءات السلامة.

ويرى ان اليمن تعد في ادنى سلم اهتمام المجتمع الدولي ما انعكس سلبا على الحقوق والحريات في اليمن، وان الحرب دمرت واقع الحقوق القليلة التي كان يحظى بها الصحفيون.

ما يجب الاشارة إليه أن نقابة الصحفيين سعت من أجل الزام وسائل الإعلام بإبرام عقود مع الصحفيين أن اضافت إلى شروط الحصول على عضوية النقابة توفير عقد عمل ، لكن كانت عقود العمل صورية ومجحفة لحقوق الصحفيين، وغالبا ما كانت بعض الصحف ووسائل الإعلام تأخذ تعهدات من الصحفيين بعدم مطالبتها بحقوق، وأن العقد مهمته فقط الحصول على عضوية النقابة فقط.

إفلات:

في كل قضايا الصحفيين في اليمن لايزال الجناة بعيدين عن يد العدالة، وفي حالة إفلات من العقاب ، فيما الحقوق مهدورة والمؤسسات الإعلامية قيد البنية الضعيفة والهشة غير القادرة على صون حقوق موظفيها، في ظل غياب لتشريع واضح يضمن حقوق السلطة الرابعة.. لتستمر حالة البؤس وجبال المخاطر ملازمة للصحفيين اليمنيين وتحيط بهم في بيئة غير آمنة أو منصفة لرجال السلطة الرابعة.   .



إقراء أيضاً


التعليقات

إضافة تعليق

كاريكاتير

فيس بوك

إستطلاعات الرأي

شركاؤنا

 

 

 

مؤسسة منصة للإأعلام